عبد الوهاب الشعراني

17

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

قال : رأيت ابن عمر يصلي محلولة أزراره ، فسألته عن ذلك فقال : رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يفعله . وروى الإمام أحمد والبزار عن مجاهد وغيره قال : كنا مع ابن عمر في سفر فمر بمكان فحاد عنه ، فسئل لم فعلت ذلك فقال : رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فعل هذا ففعلته ، وقوله حاد : أي تنحى عنه وأخذ يمينا أو شمالا . وروى البزار عن ابن عمر أنه كان يأتي شجرة بين مكة والمدينة فيقيل تحتها ويخبر أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يفعل مثل ذلك . وروى الإمام أحمد وغيره أن ابن عمر أناخ راحلته في مكان فقضى حاجته ، وأخبر أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قضى حاجته في ذلك المكان ، وقال أحببت أن أقضي حاجتي في موضع قضى فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حاجته . قلت : وإنما تبع ابن عمر النبي صلى اللّه عليه وسلم في ذلك لأن الكمل يستحيون من الأرض إذا قضوا عليها الحاجة خوفا أن تكون تلك البقعة مشرفة لا تصلح لقضاء الحاجة فلما رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فعل ذلك قال في نفسه لولا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم علم أن تلك البقعة تصلح لذلك ما فعل النبي صلى اللّه عليه وسلم ذلك . قال الحافظ : والآثار عن الصحابة رضي اللّه عنهم في اتباعهم له واقتفائهم سننه كثيرة جدا ، واللّه أعلم . [ الترغيب في إظهار الخير : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نكون في أعمال الخير من أهل الرعيل الأول فنبدأ بفعل الخير قبل الناس مسارعة للخير ويستن بنا الناس ، وذلك كما إذا رأينا إنسانا يسأل الناس ولا أحد يعطيه شيئا فنعطيه أمام الناس تحريضا لهم على العطاء ولا نعطيه سرا ، وكذلك نحرص على أن نقوم من الليل من أول ما يقع التجلي : « وينادي الحقّ تعالى هل من سائل فأعطيه سؤله ، هل من مستغفر فأغفر له ، هل من مبتلى فأعافيه » . إلى آخر ما ورد في ذلك من أول الثلث الأخير من الليل في أغلب التجليات التي كان صلى اللّه عليه وسلم يتهجد وقتها ، كما أشار إليه قوله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ [ المزمل : 20 ] . وذلك ليتأسى بنا إخواننا وجيراننا ، فربما قام أحدهم يتهجد حين يرانا فيكتب لنا وله الأجر . ومن هذا الباب أيضا إظهار التصبر على البلايا والمحن في هذا الزمان ليتأسى الناس بنا في الصبر وعدم التسخط ، فإن رأينا الصبر بلغ حده أظهرنا الضعف حتى يرتفع كما وقع لأيوب عليه السلام ، فعلم أنه ينبغي لكل عامل أن يستر عمله ما استطاع إلا في محل يقتدى به في فعله وفي كيفيته ، واللّه تعالى أعلم . وسمعت سيدي عليا الخواص رضي اللّه عنه يقول : لا ينبغي إظهار الأعمال إلا للأكابر من العلماء والصالحين الغواصين على دسائس النفوس ، وأما أمثالنا فربما يظهر الواحد منا أعماله رياء وسمعة وتلبس عليه نفسه وتقول له أنت بحمد اللّه من المخلصين ،